الخميس، 15 أبريل 2010

ترانسفير


مشكلتي مع الشرطه ليست انهم لم يهتموا لشتائمي او انهم لم يعبّروني ، فانا في حياتي كلها لم يهتم بما اقوله احد ، انا ميخد على خاطري منهم لاني لم اعهد شرطتنا الحبيبه بهذا النبل وهذه الاخلاق الرفيعه ، فلم يحصل ان سامحونا لا عند مقدره ولا ما يحزنون ، فأبيت ليلتي اضرب اخماسا باسداسٍ واثلاثا بارباع الى ان اصل النومه السابعه دون العثور جواب مقنع لتساؤلاتي .
حتى صباح امس فما أن شقشق الصباح حتى ترافقت زقزقة العصافير بهدير اسطول من الجرافات العملاقه ، يرافقها عدد من قوات الامن مشيا على الاقدام .
بيني وبينكم ، ما ان رايت ذلك المنظر حتى هبط قلبي الى جيبة بنطلوني من الخوف ، وقلت في نفسي لا يكونوا هؤلاء صدقوا هرطقاتي وجاؤوا لاعتقالي ، وقبل ان ينسد الشريان التاجي بقليل واموت بسكته قلبية ، ظهر من بعيد رجال مدنيون يلبسون خوذ (جمع خوذه) صفراء وبرتقاليه فهجس في دماغي وسواس ان هؤلاء مهندسي بترول ، فانا من زمان حاسس ان في حارتنا بحيرة بترول سرية ، لأن جدي رحمة الله عليه قضى اخر ستين سنة من حياته يوصي ابي واعمامي بالتمسك بهذه الارض وعدم التفريط بها مهما كان الثمن ، مدعيا انها تساوي كنوز العالم ، وعلى اثر ذلك عاد قلبي الى مكانه في صدري وبدأ يهتز فرحا، فمحسوبكم من الان وصاعدا سوف يصبح من امراء زيت الكاز، وسوف الفلف بسيارتي في البلد دون ان احسب حساب البنزين .
فقفزت عن السرير قفزه الومبيه كاد راسي يخبط بسقف الغرفه التي طالما خبط راسي بسقفها دونما أي قفزه ، ركضت نحو والدي الطيب كي ابشره ان الكنز الذي طالما تحدث عنه جدي قد ظهر على شكل بحيرة بترول تحت بيتنا ، واننا صرنا اغنياء وطالبته بحصتي بالبحيره من اولها ، فقد قال الحكماء ان ما كان اوله شرط ، كان اخره نور.
فنظر ابي الصابر الى سحنتي بطرف عينه اليمين رافعا حاجبه الى مشارف صلعته ، وسحب خده الايسر للخلف حتى لامس شحمة اذنه ، نظر الي نظرة ازدراء وقال لي : نفط يا ابن الكلب؟! ، الله يعينك على ما ابتلاك ، هؤلاء جاؤوا لمصادرة نصف ساحة بيتنا لتوسيع الشارع، واذا اقتضى الامر قد يصادروا البيت كله حتى نصفي نحن نيام على رصيف الشارع الجديد !
قال والدي هذا الكلام بغضب حزين ممزوج بشعور العاجز عن التصدي لامر مزعج منتظر منذ زمن . قال والدي هذا الكلام وكان يحدق في عيني الخاويتين متوقعا ان ابدي أي حركه او كلمة تهون عليه غضبه ، لكني نسيت الابتسامه التي ارتسمت على وجهي اثناء سباحتي في برميل النفط اياه ،ابتسامه بلهاء نسيتها على وجهي ، اضاعت تراجيديا الحدث ، فاعاد ابي نفس الجمله " الله يعينك على ما ابتلاك" ، وخرجنا جميعا للشارع .
كان الجيران متجمعين حول المسؤول عن المشروع ، وعرفت،
ان البلديه قررت تضييق بيوتنا لتوسيع الشارع ، انا في الحقيقه لم افهم المنطق في ذلك ، فما الفائده من اتساع الشارع والبيت ضيق والحال ضيق والخلق ضيق والحذاء ضيق ؟!!
لكني استخدمت عقلانيتي المعهوده وفضلت عدم الدخول في نقاش عقيم مع ممثلي البلديه، اضافة الى اني لم ارد لفت انتباه رجال الشرطه لوجودي في المنطقه.
...
انسحبت بهدوء واتكءت على سورنا المعد للهدم فتذكرت امرا ، حدث منذ زمن، . فمرة أخبرتني جدتي ان أم زوجها أخبرتها ان حماتها رضي الله عنها قالت ، ان تحت البلاطه المحاذيه للسور يعيش صرصور مع عائلته منذ الازل ، وأن جميع محاولات محاصرته وتطويعه وتهجيره واغتياله قد باءت بالفشل حتى امسى وجوده بيننا امرا واقعا وصار منا فينا.
فقلت في نفسي هاقد اتت الفرصه لطرد هذا الصرصار الابدي من حياتنا وكنت واثقا من قدرتي على النصر ، فجداتي كن يستعملن الشباشب ذوات الاصبع الواحد المليئى بالثقوب من جميع الاتجاهات للقضاء على الصراصير ، اما انا فعندي مبيد الحشرات ريد و بيف باف الفتاك ذو العلامه الصفراء .
المهم ، وبينما كان الصراع محتدما بين الجيران على حدود الشارع الجديد ، قمت باعداد عدة الاباده وجلست بجانب احد الشقوق الموجوده في الجدار والتي اشك ان ذلك الصرصار قابع تحتها، منتظرا اشارة البدء في اقتلاع السور ، وتجمع حولي بعضا من اولاد الحاره ، فقد كان منظري مثيرا للضحك ، في يميني مبيدا للحشرات الزاحفه وفي يساري مبيد للحشرات الطائره ، وفي قدمي جزمه ذات قاع مسطح اذا دست بها أي شيئ سوته بالارض وخربطت ابعاده الثلاثه !
وبعد هنيهات قليله ، بدأت عملية اقتلاع السور وانا اتأهب لخروج غريمي اللدود وما ان دخل سن الجرافه تحت بلاطه كبيره بعض الشيئ ورفعها ،حتى انكشف صرصور عجوز لونه احمر خمري له شوارب عنتريه طويله وحواجب بها لمسه شيب خارجه عن نطاق وجهه، وكان ويعلق في رقبته مفتاح صغير.
لا أخبئ عليكم ، عندما رأيته كدت اشخ على حالي من الرعب فان له رهبه رهيبه وهيبه مهيبه .
رفع راسه تجاهي وانا اصوب نحوه بعبوزة المبيدات الحشريه فانتابت يدي رجفه قويه لم افلح في اخفائها ، فان لهذا العجوز ملامح كملامح اصحاب الحق ، وصمود الواثق المؤمن ان العدل لا بد الا ان يسود وانه، لا انا ولا غيري قادر على سلبه بيته.
في تلك الهنينهات كان قد تجمع حولي بعض الجيران ،فاستجمعت قواي وتقدمت نحو الصرصور فرفع شواربه وبدأ يلوح بها باستهتار وسخريه اضحكت الجميع ، فاستشطت غضبا وارغيت وازبدت ( من البسيخومتري هاي) وبدات برش الغازات بكميات كبيره حتى ارديته الصرصور قتيلا بلا حراك لكن نشوة النصر قد ضاعت فشواربه بقيت منتصبه للأعلى كأنه يغيظني بها حتى بعد مماته .
احضرت مكنسه وكنسته الى اقرب حاوية زباله كي اتخلص من منظره الرهيب الذي بقي يزعج منامي لعدة ليال اخرى.
بعد ايام تم بعون الله اعادة بناء السور على الحدود الجديده .
وكانت الصاعقه ، جيش من الصراصير الحمراء لها نفس الشوارب وتعلق ذات المفاتيح وتبدي نفس الصمود الذي ابداه الصرصور الاب ، تتجول في ساحة منزلنا براحه مستفزه مقززه، والكارثه ان هذه الصراصير الشابه، لا تتأثر باي مبيد حشري مهما كان نوعه وقوته !
يبدو انه جيل جديد مهيء جيدا للتصدي لمحاولات الترانسفير!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق